بابل – واع – آية منصور
حيث يهدد الجفاف والتصحر التنوع الأحيائي بفعل قلة تدفقات المياه والأمطار، يبرز شاب من بابل يحمل كاميرته كأداة علمية وموقف إنساني لإبراز التحديات المؤثرة على البيئة، كامل الفياضي، الباحث في علوم الأحياء، اختار أن يوجّه عدسته نحو الكائنات المنسية في بيئات العراق المختلفة، موثقًا ما يهدد الحياة البرية والكائنات النادرة التي تختفي بصمت.
من شغف الطفولة إلى رسالة علمية
يروي الفياضي في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع)، “الشغف والفضول لاستكشاف الطبيعة رافقاني منذ الصغر، كنت أراقب الكائنات في بيئاتها، أتابع سلوكها، وأتعلم منها بصمت، وكنت أندهش من حركة طائر، أو اختفاء سلحفاة، أو نقيق ضفدع في المساء، وهذا الشغف أصبح جزءًا من هوايتي العلمية والإنسانية”.
تحوّل فضوله المبكر إلى مسار أكاديمي وميداني متكامل، إذ لم تكن ملاحقة الطيور أو تتبع آثار الحيوانات مجرد هواية، بل مدخل إلى علاقة عميقة مع علم الأحياء وفهم التنوع البيئي، ومع حصوله على شهادة الماجستير، بات يوظّف الكاميرا كأداة علمية ووسيلة احتجاج.
يقول الفياضي: “الكاميرا ليست مجرد أداة تسجيل، بل وسيلة توثيق علمية ورسالة احتجاج على ما تعانيه البيئة العراقية”.
الصورة كوثيقة علمية وصرخة بيئية
عدسة الفياضي لا تكتفي بالتقاط الصور، بل تنقل فهمًا دقيقًا للأنواع وسلوكها، كل صورة تمثل شهادة حية على التحولات البيئية في البلاد.
ويوضح الفياضي: “التوثيق العلمي يختلف عن التصوير الجمالي أو المغامرات الترفيهية، نحن نحول الصور إلى مصادر علمية تُستخدم في الأبحاث والمراجع الأكاديمية”.
ويشير إلى، أن “نشر هذه الصور على منصاته الالكترونية ليس بدافع الشهرة، بل لتعزيز الوعي البيئي لدى الجمهور”، ويقول: “نحتاج لوعي يدرك خطورة اختفاء طائر مهاجر أو تناقص كائن مائي، واللغة البصرية أقوى من أي خطاب مباشر”.
تنوع بيئي على حافة الزوال
امتدت جولات الفياضي من البادية إلى الجبال، مرورًا بالأهوار، موثقًا كائنات نادرة مهددة بالاختفاء، في البادية العراقية صوّر البوم الفرعوني (Pharaoh Eagle Owl)، وفي جبال كردستان واجه العقاب الذهبي (Golden Eagle) رمز العراق القومي، أما في أعماق الأهوار، فقد نجح في توثيق القضاعة الأوراسية (Eurasian Otter)، المؤشر الحي على صحة البيئة المائية.
يروي الفياضي: “أحيانًا أنتظر لساعات بلا حركة لالتقاط مشهد واحد، الكائنات المهددة لا تظهر لأي عدسة، بل تحتاج صبرًا وفهمًا بيئيًا دقيقًا”.
ومن تجاربه المؤثرة، يذكر كيف تابع عائلة من البط الخضيري (Mallard Duck) لثلاثة أشهر، من لحظة الفقس حتى الطيران، “شعرت أنهم أصبحوا عراقيين بالولادة”، يروي ضاحكًا.
صدمة الواقع البيئي وتجاهل رسمي
رغم هذا الشغف، يرى الفياضي أن الواقع البيئي “قاتم”، على حد وصفه، ويشير إلى سوء إدارة الحياة البرية، وخاصة في “سوق الغزل” ببغداد، الذي وصفه بأنه “تجارة موت مفتوحة” للكائنات النادرة، حسب قوله.
ويضيف، “البلبل العراقي، الذي كان جزءًا من ذاكرة الريف والمدينة، يختفي تدريجيًا نتيجة الصيد الجائر، كثير من الكائنات لم تعد تجد بيئة صالحة للحياة، لا في الهواء، ولا في الماء، ولا حتى بين الأشجار”.
أهمية الوعي البيئي
يشير الفياضي، “قررت أن أوجّه جهدي نحو التوعية العامة، عبر منصتي الشخصية على مواقع التواصل، والتعاون مع منظمات إقليمية ودولية تُبدي اهتمامًا فعليًا بالبيئة العراقية”.
ويؤكد، أن “الوعي البيئي بحاجة إلى دعم جاد وتطوير مستمر، سواء في المجتمع أو داخل بعض المؤسسات الرسمية”، آملًا أن تسهم التوعية المجتمعية في تحسين الواقع تدريجيًا.






