بغداد ـ واع ـ آية منصور
يمثل معرض بغداد الدولي للكتاب مساحة استثنائية للحوار الثقافي والتفاعل الإنساني، تتجاوز حدود العالم الرقمي إلى لقاء مباشر يجمع الكاتب والقارئ في اجواء تنبض بالأفكار والتجارب.
فالمعرض ليس مجرد حدث لبيع وشراء الكتب، بل هو مشهد ثقافي شامل تتقاطع فيه الحوارات والندوات وحفلات التوقيع، ليحوّل القراءة من تجربة فردية إلى فعل جماعي ينعش الصلة بالمعرفة.
وفي هذا السياق تحدثت الكاتبة والمترجمة فرح أبو التمن، لوكالة الأنباء العراقية (واع) إنها تشعر بفرح خاص حين ترى انعكاس كلماتها على القراء وجها لوجه يتجاوز شعورها نجاح الكتاب التجاري إلى اختبار أثرٍ إنساني حين يشارك قارئ تجربة شخصية ساعده فيها كتابها أو خفّف عنه في موقف محدّد، اذ ان هذا النوع من التغذية الراجعة يمنحها يقينًا بأن النص يصنع فارقًا في الحياة اليومية، ويحفّزها على تطوير أدواتها السردية لتبقى قريبة من احتياجات القرّاء وتوقعاتهم.
وترى أبو التمن أن معرض الكتاب يوفّر مساحة أوسع وأدفأ للحوار مقارنة بقنوات التواصل الرقمية، فاللقاءات فيه أطول زمنًا، وأسئلتها أكثر تلقائية، ونقاشاتها أعمق وتبيّن أنّ طبيعة جمهور المعرض متنوّعة، تضم قرّاء دائمين وآخرين يصلون إليها للمرة الأولى، ما يفتح أبوابًا لعلاقات قراءة جديدة، كما تمنح حفلات التوقيع فرصة لقاء جمهور حضر خصيصًا لمتابعة أعمالها، فتتحول الجلسة إلى حوار مباشر حول الفكرة والأسلوب ومسارات القراءة المقبلة.
وتؤكد أبو التمن أن اللقاء المباشر يبدّل علاقة القارئ بالنص، فمجرد القراءة الفردية تتحول إلى تجربة ذات بُعد إنساني حين يلتقي القارئ بصوت المؤلفة وحضورها وطريقتها في إيصال الفكرة هذا التماس المباشر يضيف للنص طبقةً دلالية جديدة ويعمّق فهمه، ويجعل القرّاء يتابعون العمل من الداخل.
وتوضح أنّ فضاء المعرض يختلف عن أي مساحة أخرى للكتاب، فالمكان لا يقتصر على البيع والشراء، إنّه مناسبة تحتفي بالكتاب والقرّاء معًا، تتجاور تحت سقف واحد دور نشر متعدّدة، وكتّاب من أجيال وخلفيات متنوّعة، وكتب تمتد على اختصاصات شتّى، فتتشكل «خيمة ثقافية» واسعة الإيقاع يصعب تكرارها في فضاء آخر، هذا التنوّع يمنح الزائر إحساسًا بأنه داخل مشهد حيّ تتقاطع فيه الحوارات والندوات والأمسيات مع الاكتشاف العفوي لعناوين جديدة.
وتشير الى ان المعرض ينعش صلة المجتمع بالكتاب عبر تحويل القراءة من تجربة فردية إلى خبرة جماعية، اذ ان الفعاليات والحضور المتنوع يذكّران الناس بمتعة لمس الكتاب وتبادله، ويجعلان الثقافة جزءًا مرئيًا من اليوميّات: لقاءات مباشرة، توقيعات، اقتراحات قراءة، وصور مشتركة تتوسع بعدها دائرة الاهتمام في البيوت والمدارس وأماكن العمل بهذه الطريقة يتولد أثر ممتد يتجاوز أيام المعرض.
وتابعت ان حضور المرأة ككاتبة أو ناشرة ينعكس بوضوح خلال المعرض، اذ ان المواجهة المباشرة مع القارئ تضعها في مركز المشهد الثقافي، بعيدًا عن القيود المؤسسية التي قد تحدّ من المشاركة في مساحات أخرى، هذا الظهور يمنح جيلًا جديدًا من الشابات نموذجًا ملهمًا، ويؤكد أنّ مساري الكتابة والنشر مفتوحان للجميع. ومع اتساع الشراكات والفعاليات، تتعزز أدوار المؤلِّفة والمحرِّرة والمترجمة داخل سلسلة واحدة تُظهر قيمة الإسهام النسائي وتوسّع أثره.
بدورها قالت الكاتبة والدكتورة موج يوسف في حديثها لوكالة الانباء العراقية (واع) بأنها تؤمن بأن للكتابة قوة خفيّة، ولغة قادرة على الوصول، وتواصل مباشر مع الجمهور “يتيح لي المعرض أن ألتقي قرّاء جاؤوا بدافع الفضول، فأعيد شحن لغتي بمفردات تقترب من أبعد متلقٍ في القاعة، عندها أرى الفكرة وهي تتسلّل إلى الأسئلة والمداخلات، ويولد داخلي شعور الإنجاز لأن جزءًا من الرسالة الفكرية وصل بالفعل».
وتابعت: «بصفتي قارئة قبل أي صفة أخرى، أرى أن المعرض فرصة لخلق صداقات فكرية، عناوين وافدة من خارج الوطن، ولقاءات مع قرّاء من محافظات بعيدة، وحوارات مع كتّاب عرب. وبصفتي باحثة، أذكر أن الشرارة الأولى لأطروحتي للدكتوراه انطلقت من لقاء عابر في المعرض جمعني بالناقد الدكتور حسن ناظم حين كان وزيرًا للثقافة، كنتُ مشتَّة الأفكار، فاقترح مسارات بحث ومفاتيح عمل، هذا النوع من اللقاءات لا يتاح عادةً خارج فضاء المعارض، ومساحته غير المرئية تمتد إلى معظم مفاصل المعرفة أكثر مما توفّره المنصّات الرقمية”.
وترى الكاتبة أن الحوار المباشر أمام جمهور متنوّع يفتح بعدًا إضافيًا لفهم نصوصها وتلقّيها. تكتب من موقع نقدي يثير الجدل والاختلاف، وحين تواجه قارئًا لا يوافق طرحها وتستمع إلى أسئلته، تعود إلى مكتبها بأفكار قريبة تُغذّي مشروع الكتابة التالي: إجابات محتملة، وأسئلة أشدّ جدلية، ومداخل جديدة لصوغ الموضوعات.
كما وتصف الدكتورة موج، شارع المتنبي والمكتبات بأنّها ثوابت يومية تستقبل القارئ متى عاد إليها، فيما يأتي المعرض كضيف قصير الإقامة عميق الأثر. محدودية الأيام تخلق شعورًا بالاستدراك والمطاردة وتكمل بحديثها لوكالة الانباء العراقية (واع) قائلة: القارئ ينجز قائمته، والكاتب يلحق بأسئلته، وتتحوّل القاعة إلى موعد مكثّف تُصنع فيه صداقات فكرية وتُلتقط فرص نادرة للقاء قرّاء من خارج بغداد وكتّاب عرب.
وتلفت إلى يومٍ استحوذت فيه الأصوات النسائية على المنصة: جلسات لكاتبات عربيات، وإدارات حوار قدّمتها إعلاميات، وحضور متنوع في القاعة. مثل هذه النماذج، وإن كانت أمثلة لا حصرًا، تمنح صورة مغايرة: كاتبة تتحدث، ومحاوِرة تقود النقاش، وناشرة تقدّم عناوينها، بالنسبة إليها، هذا المشهد يعزّز فاعلية المرأة ويواجه صور الإقصاء التي قد تحدّ من مساحتها في مؤسسات ثقافية أخرى، فيما يوفّر المعرض وشارع المتنبي نافذة حضور أوسع وأوضح.
من جانبها اكد القارئة راما احمد وهي طالبة في قسم الأدب انها كلّما دخلتُ المعرض شعرتُ أنّ قاعة الدرس اتّسعت لتصير مدينة كاملة للكتاب، اذ ان حضور الكاتبات العراقيات هو الذي يغيّر صورة المشهد أمامنا نحن الطالبات، حيث لا نكتفي بقراءة نصّ بعيد، نرى صاحبته، نسمع صوتها ونقاشها، فنفهم النص داخل سياقه الإنساني وتجاربه.
وتضيف، في كل مرة أرى طابور توقيع أمام جناح لإحدى الكاتبات أشعر بحافز مباشر، تلك الحفاوة من القرّاء، والأسئلة الدافئة، تمنح الشابات شجاعة المحاولة وتجعل فكرة النشر أقرب وأكثر واقعية.



