ثائر الغانمي
أكثر المتعاطفين مع إيران لو سألته قبل أن تبدأ هذه الحرب: كم تعتقد أن الجمهورية ستصمد بلا قائد ثورتها وأمام أقوى جيشين في العالم؟ سيهمس لك على مضض أن الفرص ضئيلة جداً. وإن أفضل ما يمكن أن يحدث هو أن تصمد إيران أياماً قليلة قبل أن تتداعى مؤسساتها تحت ضغط الضربات العسكرية الهائلة.
فالدولة التي واجهت قبل أقل من شهرين احتجاجات غاضبة من التجار بسبب تدهور العملة، بدت للكثيرين وكأنها تقف على أرض رخوة يمكن أن تتصدع مع أول صدمة كبرى. ومع الحصار الممتد لأكثر من سبعة وأربعين عاماً، والعقوبات التي طالت كل مفاصل الاقتصاد، بدا المشهد بالنسبة لخصومها واضحاً: ضربة عسكرية كاسحة، انهيار سريع، ثم واقع سياسي جديد يُفرض على المنطقة.
كانت الخطة – كما فهمها العالم – بسيطة وسريعة وقاسية في آن واحد: صدمة عسكرية هائلة تُربك الدولة، تفكك داخلي، ودفع النظام إلى السقوط أو الاستسلام خلال أيام.
لكن شيئاً مختلفاً تماماً حدث.
فبدلاً من مشهد الانهيار الذي انتظره كثيرون، ظهر مشهد آخر لم يكن في حسابات الحرب: دولة تتلقى الضربات لكنها لا تسقط بل ترد عليها بضربات أشد، ومجتمع يتعرض للضغط لكنه لا يتفكك بل يتضاعف التفافه حول قيادته، ونظام سياسي يُفترض أنه على حافة الانهيار، لكنه ما زال قادراً على إدارة معركة معقدة في أكثر من جبهة.
لقد بُنيت هذه الحرب على ثقة هائلة بالتفوق العسكري. ولا شك أن التفوق التكنولوجي والعسكري للولايات المتحدة والكيان الصهيوني حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن التاريخ يخبرنا أن الحروب لا تُحسم دائماً بالقوة النارية وحدها. فكم من إمبراطوريات امتلكت السلاح الأقوى، لكنها عجزت عن كسر إرادة خصومها.
وما يحدث اليوم يعيد كتابة هذه القاعدة القديمة.
فالحرب التي كان يُراد لها أن تكون ضربة خاطفة تحولت إلى مواجهة ثقيلة الكلفة سياسياً وعسكرياً ومالياً. والدولة التي كان يُتوقع أن تنهار خلال أيام ما زالت تقف، تقاتل، وتبعث برسالة واضحة إلى خصومها والعالم: إنني لم اعد دولة مهاجَمة بل صرت دولة مهاجِمة.
والأكثر إثارة للدهشة أن الرهان الأكبر – رهان تفكك الداخل – لم يتحقق كما أراده مهندسو الحرب. ففي لحظات الخطر الوجودي، كثيراً ما يحدث العكس تماماً. تتراجع الخلافات، ويتقدم الشعور الوطني، ويكتشف المجتمع أن ما يجري ليس مجرد صراع سياسي، بل معركة على السيادة والكرامة.
وهنا بدأت الصورة تتغير.
فالحرب التي قُدمت للعالم باعتبارها عملية سريعة لإعادة ترتيب المنطقة، بدأت تتحول تدريجياً إلى اختبار قاسٍ لحدود القوة العسكرية نفسها. فالولايات المتحدة التي قدمت نفسها لعقود بوصفها القوة القادرة على حسم الحروب خلال أيام، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة محرجة: كيف يمكن للقوة الأعظم في العالم أن تخوض مواجهة مباشرة مع دولة محاصرة اقتصادياً منذ عقود، ثم تعجز عن تحقيق الحسم السريع المتوقع؟
بل إن التناقضات الأمريكية بدأت تظهر بوضوح في الخطاب السياسي نفسه. فالإدارة الأمريكية تتحدث عن حرب محدودة، بينما تتحرك قواتها على نطاق واسع في المنطقة. وتقول إنها لا تسعى إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته تواصل دعم العمليات العسكرية وتوسيع نطاقها. تتملق الجماعات الكردية لانخراطها في حرب برية وبعد رفض هذه الجماعات قالت لا نريد للكرد ان يشتركوا، تدعي عدم تأثر المخزون الحربي ثم تجتمع بكبار اصحاب الشركات المصنعة للذخائر من اجل تسريع وتيرة انتاجهم من الاسلحة. وبين خطاب التهدئة وتصعيد الميدان، تبدو السياسة الأمريكية وكأنها تتخبط بين هدفين متناقضين: فرض الهيبة من جهة، وتجنب الانزلاق إلى هزيمة كارثية من جهة أخرى.
ولم يعد هذا التناقض محصوراً في أروقة السياسة الخارجية فقط، بل بدأ ينعكس داخل الولايات المتحدة نفسها. فمع استمرار المواجهة وتزايد كلفتها الاقتصادية والسياسية، بدأت أصوات الرفض تتصاعد في الشارع الأمريكي، سواء من داخل الجامعات أو بين أوساط الرأي العام التي لم تعد ترى في هذه الحروب سوى امتداد لسلسلة طويلة من المغامرات العسكرية المكلفة التي دفعت الولايات المتحدة أثمانها في أفغانستان والعراق.
كثير من الأمريكيين يتساءلون اليوم: لماذا تخوض بلادهم حرباً جديدة في الشرق الأوسط بينما تعاني البلاد من تضخم اقتصادي وأزمات اجتماعية داخلية؟ ولماذا يجب على دافعي الضرائب تمويل حرب أخرى لا يعرف أحد كيف ستنتهي؟ ولماذا يختطف نتنياهو حكومتهم بهذا الشكل امام تسليم مطلق من ترامب؟
هذه الأسئلة لم تعد هامشية، بل بدأت تتحول إلى جزء من النقاش السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، وهو ما يضع صانعي القرار أمام معادلة أكثر تعقيداً: حرب خارجية لا تحقق الحسم السريع، ونقص هائل في المخزونات الاستراتيجية تسابق الزمن لاجل التعويض، وضغط داخلي يتزايد يوماً بعد يوم.
إن الانتصار في الحروب الحديثة لا يعني دائماً رفع العلم فوق عاصمة الخصم، بل يعني تحقيق الهدف السياسي الذي بدأت الحرب من أجله. وإذا كان الهدف هو كسر الدولة وإسقاط نظامها خلال أيام، فإن بقاء تلك الدولة وصمودها في قلب العاصفة يعني ببساطة أن الخطة لم تنجح كما رُسمت.
ولهذا فإن القول إن إيران قد انتصرت ليس شعاراً عاطفياً، بل قراءة واضحة لواقع فرض نفسه على الأرض. فالدولة التي توقع كثيرون سقوطها السريع، ما زالت تقف وتقاوم وتفرض على خصومها حسابات جديدة لم تكن في دفاتر الحرب.
وربما لم تنتهِ هذه الحرب بعد، وربما تحمل الأيام المقبلة مفاجآت أخرى، لكن حقيقة واحدة بدأت تتشكل بوضوح: إن القوة التي ظنت أنها قادرة على إعادة رسم خرائط المنطقة خلال أيام، اكتشفت أن الإرادة السياسية والشعوب التي تقاتل دفاعاً عن سيادتها ليست أهدافاً سهلة على خرائط العمليات العسكرية. لقد دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة وهي واثقة من قدرتها على فرض معادلتها القديمة، لكنها تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف تماماً: حرب لم تُحسم، وهيبة لم تُستعد، وشارع داخلي يتساءل بقلق عن جدوى كل ذلك. وفي مثل هذه اللحظات من التاريخ، لا يُكتب الانتصار فقط في نتائج المعارك، بل في قدرة دولةٍ على أن تبقى واقفة حين كان العالم كله ينتظر سقوطها. ولهذا، فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد صمود عابر… بل لحظة تحوّل قد تعيد تعريف معنى القوة في هذا القرن مبشرةً بولادة دولة عظمى جديدة بين الدول العظمى الخمسة.
