بغداد- واع- آية منصور
يرى المتخصص بالتحليل الاستراتيجي الأمني، مصطفى الحديثي، أن العالم دخل طوراً جديداً في التضليل الإعلامي حيث يمكن اليوم إنتاج فيديو أو خطاب كامل لشخص لم يقله، فيما أشار الى أنه يجب بناء قدرات وطنية متقدمة للتحقق الرقمي، وتطوير تشريعات تواكب الذكاء الاصطناعي ورفع الوعي المجتمعي
وقال الحديثي لوكالة الأنباء العراقية (واع): “اخترت هذا التخصص لأنه يقع عند نقطة التقاء بين الإعلام والسياسة والأمن، الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الخبر، انما أصبح أداة استراتيجية تؤثر في صنع القرار، وتعيد تشكيل صورة الدول وموازين القوى”، مبينا ان “الربط بين الإعلام والتحليل الأمني كان ضرورة أكاديمية وعملية لفهم كيف يمكن للكلمة والصورة أن تُترجم إلى أدوات ضغط أو تهدئة أو حتى قوة ردع”.
وأوضح أن “مساره الأكاديمي والعملي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء استجابة لفراغ معرفي في المكتبة العربية بهذا المجال، حيث منحته الدراسة الأكاديمية القدرة على تحليل الإعلام كظاهرة متعددة الأبعاد، فيما وفّرت له التجربة العملية أدوات واقعية لقراءة التفاصيل الخفية”.
وأضاف ان “هذا التزاوج بين النظرية والممارسة ساعد في النظر للإعلام ليس بصفته مادة إعلامية فقط، بل كعنصر يدخل في معادلات الأمن القومي والعلاقات الدولية”، مشيرا الى ان “الدافع الأساسي كان وجود فراغ معرفي في المكتبة العربية بهذا التخصص الحساس”.
واستطرد “لاحظت، بحكم دراستي في مرحلة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه وحتى في البحوث التي أجريها، أن الإعلام يُتناول غالباً من زاوية مهنية أو سياسية أو اجتماعية، لكن قلّما يتم ربطه بالأمن والاستخبارات إذ لم يكن هناك حدث واحد بقدر ما كان تراكم لملاحظات ودراسات وممارسات واقعية في المنطقة، أبرزت الحاجة إلى توثيق هذا الترابط وتأصيله علمياً وإبراز جزئية دقيقة هي التأثير والتأثر في ثلاثية الإعلام والأمن والمخابرات”.
وذكر الحديثي أن “التحدي الأكبر في مساره البحثي تمثل في ندرة المراجع العربية المتخصصة، فضلاً عن محدودية الانفتاح على مثل هذه الموضوعات الحساسة في السياق العربي”، منوها بأن “الصعوبة الكبرى كانت تتلخص في قلة المراجع المتخصصة باللغة العربية، إضافة إلى محدودية الانفتاح على مثل هذه الموضوعات التي تُعد حساسة جداً، لذلك كان عليه مراجعة المصادر الأجنبية والمعقدة والنادرة، وإعادة صياغتها بما يتلاءم مع البيئة العربية عامة والعراقية خاصة، مع توخي الدقة العلمية والحياد التام”.
وتابع ان “إحدى أبرز القضايا التي تناولها في دراسته، هي الحروب الهجينة، حيث تعد نمطاً من الصراعات يجمع بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية: الإعلام، الاقتصاد، الفضاء السيبراني، وحتى الثقافة، الإعلام التقليدي يمنح الشرعية ويوصل الرسائل إلى الجمهور الواسع، بينما الإعلام الرقمي يشكل ساحة فورية للمعركة النفسية، حيث يتم تضخيم القصص عبر الخوارزميات وإدارة الرأي العام لحظة بلحظة”.
وأضاف انه “من الأمثلة البارزة، استخدام وسائل الإعلام لرصد ردود الفعل الشعبية تجاه قرارات سياسية أو عسكرية، وتحليل البيانات المتدفقة من شبكات التواصل كبديل عن التقارير الاستخباراتية التقليدية، كما أن بعض القنوات الإقليمية صارت منصات لبث رسائل مشفّرة أو لإعداد بيئة نفسية تمهّد لتحركات ميدانية”.
وعن مفهوم “الدول الذكية” في توظيف الإعلام، أشار الى ان “الدول الذكية هي التي تدرك أن الإعلام ليس ملحقاً بالسياسة والأمن، بل شريكاً لهما، إذ إن هذه الدول تستثمر في صناعة السرديات، وتبني مؤسسات إعلامية قوية وذات مصداقية، وتستخدم التكنولوجيا الرقمية بدلاً من الاكتفاء بالإعلام التقليدي”، مبينا ان “تميز هذه الدول يظهر في قدرتها على التحكم في صورتها الخارجية، وفي أحيان أخرى في قدرتها على زعزعة استقرار الخصوم عبر تصدير الفوضى الإعلامية”.
وبين أن المنصات الرقمية تحولت إلى ميادين رئيسة للصراع الإعلامي، إذ تسمح باستهداف دقيق للجمهور، وتوظيف الإعلانات الممولة، ونشر الروايات بسرعة هائلة”، لافتا الى ان “دخول الذكاء الاصطناعي ضاعف التأثير من خلال القدرة على إنتاج محتوى مزيف عالي الجودة ـ صور، فيديو، نصوص ـ يصعب تمييزه عن الحقيقي، وهنا تكمن الخطورة والمشكلة”.
وأردف ان “الإشارات الإعلامية تمثل تفاصيل صغيرة تعكس اتجاهات كبرى، مثل العناوين، الحملات، ونبرة الخطاب”،مبينا ان “متابعة هذه الإشارات بشكل دقيق تتيح استشراف الأزمات قبل وقوعها، أو قراءة الرسائل غير المعلنة في الحروب والصراعات، إذ إن صانع القرار الذكي يعتمد على هذه الإشارات لفهم البيئة المحيطة وتوقع خطوات الخصوم قبل وقوعها”.
وفي ما يتعلق بمرحلة التزييف العميق، لفت الحديثي إلى أن “العالم دخل طوراً جديداً في التضليل الإعلامي حيث يمكن اليوم إنتاج فيديو أو خطاب كامل لشخص لم يقله والمواجهة تتطلب بناء قدرات وطنية متقدمة للتحقق الرقمي، وتطوير تشريعات تواكب الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى رفع الوعي المجتمعي كي يصبح الجمهور خط الدفاع الأول لذلك فالمسؤولية تشاركية ولا يمكن حصرها بالدولة فقط”.
وشدد الحديثي على أن “الإعلام القوي والمهني يعكس صورة الدولة، ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسساتها، الأمر الذي يدعم الاستقرار الداخلي، فيما يفتح ضعف الإعلام الباب أمام سرديات خارجية لملء الفراغ”، موضحا ان “الإعلام يمكن أن يكون حصناً للأمن القومي إذا أُدير بكفاءة، أو ثغرة خطيرة إذا تُرك بلا استراتيجية”.
وعن ملامح مستقبل الحروب الإعلامية خلال العقد المقبل، يرى الحديثي أن “المرحلة المقبلة ستشهد قفزة نوعية في طبيعة الصراع، إذ سيسهم مستقبل الحروب الإعلامية بمزيد من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، الأتمتة، والتحكم بالخوارزميات، إذ ستكون الحدود بين الخبر الحقيقي والمفبرك شبه معدومة”، مؤكدا ان “التحدي سيكون في بناء مؤسسات إعلامية قادرة على الصمود، ورقابة رقمية تستبق الخطر بدلاً من أن تلاحقه”.


