بغداد-واع-آية منصور
أطلقت منظمات مجتمع مدني وناشطات حملة رقمية لمناصرة النساء الكرديات على منصات التواصل، عقب انتشار صور ومقاطع فيديو وُصفت بأنها توثّق انتهاكات بحق نساء كرديات في شمال سوريا، من بينها مشهد إشهار ضفيرة امرأة بعد مقتلها، ومقاطع أخرى تُظهر احتجاز نساء وتهديدهن، مع تداول مشاهد عن إلقاء جثمان امرأة من مكان مرتفع أثناء توجيه إهانات، وبحسب ما نقلته مقاطع مصورة ومنشورة في صفحات الناشطين والناشطات، جاءت الحملة بصيغة تضامن عابر للحدود، إذ ظهرت مشاركات من نساء في دول متعددة عبر مقاطع تضفير الشعر كشكل رمزي للاحتجاج على ما اعتبرنه استهدافاً وإذلالاً للنساء.
النساء يدفعن أثمان الحروب
وقالت الباحثة الاجتماعية ورئيسة منصة حقوق المرأة العراقية تمارا عامر لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن “أكثر الشرائح معاناة من ويلات الحروب والانتهاكات والفقر هن النساء، لما لذلك من أثر مباشر على سلامتهن النفسية والجسدية وأمنهن”، مؤكدة “استنكارها لما يحدث من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مع تركيز خاص على ما تتعرض له النساء الكرديات والفلسطينيات والسودانيات”.
واعتبرت أن “الصمت إزاء ما يجري يعد صمتاً مخجلاً بحق نساء المنطقة”، مشيرة الى أن “التاريخ وثّق تضحيات النساء في ظروف مشابهة، ومع ذلك ما زالت كثيرات يدفعن ثمناً باهظاً عبر الاغتصاب والتعذيب النفسي والجسدي، في ظل تقصير في إنقاذ النساء داخل مناطق النزاعات”.
وفي سياق متصل، ترى عامر أن “موجة التضامن التي ظهرت على منصات التواصل تتجاوز الحدود والجنسيات، وتتصل بمبدأ إنساني أوسع قوامه رفض تحويل النساء إلى وقود للحروب، ورفض التعامل معهن بإذلال أو كسر رمزي وجسدي، مع التأكيد أن حماية النساء في النزاعات تبدأ من مساءلة الجناة، وتوفير آليات حماية فاعلة، وضمان أن يبقى صوت الضحايا حاضراً في أي نقاش يتعلق بالأمن والعدالة وحقوق الإنسان”.
بدورها، قالت عضو الهيئة الإدارية لشبكة النساء العراقيات رؤى خلف، لوكالة الأنباء العراقية (واع) إن “الانتهاكات التي ترافق الأحداث العسكرية تتكرر بتفاصيلها بصورة قاسية، وتستهدف النساء بصورة خاصة عبر تحويلهن إلى أداة للانتقام والتنكيل”، مشيرة إلى أن “النساء غالباً ما يكنّ الفئة الأضعف والأكثر هشاشة في فترات الأزمات”.
وأضافت خلف أن “ما يحدث من منظورها، ليس حدثاً طارئاً منفصلاً عن السياق الاجتماعي، إنما يرتبط بثقافة تُشحن في أوقات السلم بخطابات ضد النساء، وتُنتج في لحظات الحرب صوراً متكررة من الخطف والسبي والتعذيب والإذلال”. وأوضحت أن “ذلك يفسر، وفق تعبيرها، لماذا تعلو أصوات النساء في مواجهة الحروب، باعتبارهن الأكثر تضرراً من نتائجها المباشرة في الواقع”.
وبيّنت أن “المقاطع المتداولة عبر منصات التواصل تمثل جزءاً محدوداً مما يجري على الأرض، لكون الحروب تصنع ظروفاً أشد فظاعة وتعقيداً”، لافتة إلى أن “رمزية الضفيرة جاءت كتعبير مكثف عن كون ضرر الحروب والصراعات المسلحة يقع على النساء بشكل أكبر، وهو ما دفع نساءً كثيرات إلى توحيد موقفهن عبر هذه الرمزية للتأكيد على رفض استهداف النساء ورفض الحرب بأشكالها كافة”.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
احتجاج وتضامن
وقالت مديرة مشروع النساء والسلام في منظمة نساء من أجل نساء العالم تانيا سردار، لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن “تاريخ النضال الكردي يحمل حضوراً ثابتاً للنساء الكرديات، بوصفهن جزءاً فاعلاً، بدءاً من أحداث ارتبطت بما يُعرف بثورة أرارات عام 1930، مروراً بتجربة مهاباد عام 1946، وصولاً إلى مساهمات نساء قياديات في تأسيس اتحاد نسوي كردي ديمقراطي في تلك المرحلة، ثم مشاركة النساء في الثمانينيات ضمن جبهات جبال شمال العراق وتركيا، ولاحقاً في شمال سوريا مع اندلاع الاحداث في سوريا، حيث شاركت النساء في القتال ضد تنظيم داعش وجماعات متطرفة أخرى هددت السكان في مناطقهم”.
وأضافت أن “حضور النساء الكرديات اتسع في الإعلام خلال السنوات الأخيرة نتيجة الانتهاكات التي تتعرض لها على يد جماعات متطرفة”.
وأوضحت سردار أن “ما تراه اليوم يندرج ضمن نمط أوسع في النزاعات المسلحة، حيث تُستخدم كرامة النساء وأجسادهن كسلاح حرب”، مشيرة إلى أن “المشاهد المتداولة منذ مطلع 2026، ومنها مقاطع تُظهر إذلالاً وتنكيلاً وسخرية من أسيرات، ومشهد رمي امرأة كردية من مبنى مرتفع بحسب ما جرى تداوله، أثارت غضباً واسعاً يتجاوز المجتمع الكردي إلى كل الرافضين لانتهاك الحرمات بحق الاسرى والمقاتلين والمدنيين في الحروب”.
وبيّنت أن “هذه الموجة من الغضب انعكست عبر إطلاق حملة الضفيرة على منصات التواصل وفي تغطيات إعلامية، مع مشاركات من نساء في مواقع عامة ومهنية مختلفة”، مؤكدة أن “الضفيرة في الثقافة الكردية تحمل رمزية خاصة لدى النساء، إذ ترتبط بصورة المدافعات عن الأرض في الجبال، ما منحها معنى احتجاجياً إضافياً حين تحولت إلى علامة تضامن”. وأشارت إلى أن “آلاف النساء شاركن في الحملة من صحفيات ومراسلات ومذيعات وناشطات، ورفع بعضهن شعاراً متداولاً في الحملة بمعنى أن قطع ضفيرة واحدة يقابله نمو آلاف الضفائر، في إشارة إلى رفض كسر النساء عبر الإذلال أو العنف”.
تعزيز حماية النساء
من جهتها، قالت الناشطة سهى احمد: إن “موجة التضامن الحالية تحتاج الى أن تتحول إلى ضغطٍ عملي لتعزيز حماية النساء في مناطق النزاع”، معتبرةً أن “تكرار مشاهد الخطف والسبي والإذلال عبر سنوات طويلة يكشف قصوراً مستمراً في الاستجابة والإنقاذ، مطالبةً بآليات حماية ملموسة تتقدمها فرق توثيق مستقلة، وممرات آمنة للناجيات، وخدمات طبية ونفسية وقانونية، مع مسارات مساءلة تضمن محاسبة المسؤولين ومنع الإفلات من العقاب”.
وأضافت احمد بحديثها لوكالة الأنباء العراقية (واع) أن “الذاكرة القريبة في العراق تقدم نموذجاً صارخاً لما يمكن أن تفعله الجماعات المتطرفة حين تُترك النساء في فراغ الحماية، في إشارة إلى ما تعرضت له الإيزيديات من خطف واستعباد وانتهاكات وثقتها تقارير دولية وملفات قضائية على مدى سنوات، ثم انتقلت آثارها إلى حياة الناجيات وعائلاتهن زمناً طويلاً بعد انتهاء المعارك”.
وقالت أنسام سليمان، رئيسة منظمة آيسن لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، إن الحروب كثيراً ما تحوّل النساء إلى أداة داخل المعركة، فتُفتح عليهن أبواب التهديد والترويع والقتل والاغتصاب، مع أن دورهن يظل محورياً في إدارة المجتمع. وترى سليمان أن الخصوم في نزاعات عديدة يضعون، ضمن حساباتهم، تدمير كيان المرأة والاعتداء على كرامتها تحت ذريعة إغاظة من يقاتلونهم، ثم التعامل معها كغنيمة تمنح المعتدي شعوراً مبكراً بالنصر.
وأضافت أن “واقع النساء خلال الأزمات يجعل كثيرات منهن أكثر تعرضاً للأذى، إذ تفرض ظروف الحرب قيوداً على القدرة على حمل السلاح أو التطوع في ساحات القتال، مع أن هذا لا ينتقص من حقيقة أن المرأة، حين تمتلك قضية، قد تتقدم إلى المواجهة وتدافع عن وطنها وأرضها أو هويتها، بغض النظر عن عمرها ومكانتها الاجتماعية”.
وأشارت إلى أن “نساء كثيرات فقدن حياتهن وهن يؤدين أدواراً إنسانية وميدانية في قلب النزاع، من الإسناد الطبي والتمريضي، إلى الدعم الإعلامي واللوجستي، إلى حماية المجتمع داخل مخيمات النزوح عبر توفير الاحتياجات وتقديم الإسناد النفسي للأهالي، إلى رعاية الأطفال وحمايتهم وتهيئتهم لفهم ما يجري، وصولاً إلى أدوار تتصل بالغذاء والإغاثة، وأدوار أخرى تتجه نحو السلام والتفاوض وتهدئة النزاعات”.
وتابعت سليمان أن “هذا الاتساع في المشاركة لم يمنع استمرار تحديات قاسية، من التهميش وضعف الاعتراف بدور النساء كمقاتلات في بعض السياقات، كما حدث مع عاملات الاتصالات في الحرب العالمية الأولى، إلى تعرضهن لمخاطر مباشرة كضحايا، خصوصاً في الحروب غير النظامية، مع اعتداءات تمتد أحياناً إلى مجتمعات كانت تُعد آمنة تحت ضغط جماعات مسلحة”.

