بغداد – واع – آية منصور
“منذ سبع سنوات، يقف أبو علي، البالغ من العمر 66 عاماً، على طريق زائري أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) في طريق حلة – كربلاء المقدسة خلال أيام الزيارة، لا يغادر موقعه إلا مع اكتمال آخر وجبة تُقدَّم للزائرين، حيث يشرع مع الفجر بإعداد قدور الطعام الكبيرة، مستعيناً بأبنائه وجيرانه، ليبقى الموكب عامراً حتى يوم الأربعين.
يقول بابتسامة يغلبها التعب: “كل دعاء من زائر، وكل كلمة (مأجورين) أسمعها، هي زادي الحقيقي، هي ما يجعلني أعود عاماً بعد عام”، مضيفاً “هذا الموكب الذي أسسته قبل سبع سنوات أصبح اليوم محطة مألوفة لآلاف العابرين، لا يكتفي بتقديم الطعام فحسب، بل يوفّر مكاناً للراحة والمبيت، والماء البارد، وكل ما يحتاجه السائرون في رحلتهم الطويلة”.
تُعد المواكب الحسينية أحد أبرز ملامح إحياء زيارة الأربعين، حيث تتوزع على طول الطرق المؤدية إلى كربلاء المقدسة، لتشكل جسراً من التكافل والخدمة بين مختلف شرائح المجتمع. مواكب الطبخ، على وجه الخصوص، تمثل قلب هذه الخدمة، إذ لا يقتصر دورها على إطعام الزائرين، بل تمنحهم مساحة للاستراحة، وتلبي احتياجاتهم الأساسية من الشراب والمأوى.
هذه الظاهرة، التي امتدت وتطورت عبر عقود، أصبحت جزءاً راسخاً من مشهد الأربعين، جذور نشأة المواكب، ومسار تطور خدمة الطبخ فيها، ترك إرثاً كبيراً في رحلة الملايين نحو كربلاء المقدسة.
يبدأ أبو علي عمله قبل الفجر بساعات، حيث يشعل النار تحت قدور الطعام الضخمة بمساعدة أبنائه ومتطوعين من أبناء الحي. ويقول في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن “وجبة الغداء في موكبه غالباً ما تكون “القيمة النجفية” مع الأرز الأبيض، وفي بعض الأيام تُستبدل بمرق البامية أو الهريسة، فيما يقدَّم العشاء على هيئة شوربة العدس أو الدجاج مع الخبز الحار”.
وأضاف، أن “العمل يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل لتلبية احتياجات مئات الزوار، بينهم من يكتفي بوجبة، وآخرون يتخذون من الموكب مكاناً للاستراحة أو المبيت”.
وأكد، أن “ما يدفعه للاستمرار كل هذه الساعات هي الدعوات التي يتلقاها من الزائرين”، مشدداً على، أن “خدمة السائرين إلى كربلاء “شرف ومسؤولية” يحرص على أدائها منذ انطلاق موكبه قبل سنوات”.
الاهتمام بصحة الزائرين
من جهته، يقول جاسم الكعبي، صاحب أحد المواكب الخدمية على طريق حلة – كربلاء المقدسة، في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن “الموكب الذي يديره مع مجموعة من المتطوعين تحوّل خلال أيام الأربعين إلى ما يشبه “البيت المفتوح” للزائرين القادمين من مختلف المحافظات ومن خارج العراق”.
وأضاف، أن “الموكب يحرص على تجهيز دورات مياه نظيفة وتوزيع مواد التعقيم، فضلاً عن تواجد فرق شبابية لتنظيف محيط الخدمة بشكل مستمر”.
وأوضح الكعبي، أن “الجانب الصحي يحظى باهتمام خاص، إذ يتواجد في الموكب ركن طبي بسيط يضم عدداً من الممرضين المتطوعين لتقديم الإسعافات الأولية والتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً بين كبار السن أو من يتعرضون للإرهاق أثناء المسير”.
وأشار إلى، أن “عمل الموكب لا يقتصر على إطعام وإيواء الزائرين، بل يشمل أيضاً نشاطات دينية وثقافية، من خلال بث محاضرات عبر مكبرات الصوت، وقراءة المجالس الحسينية والقصائد التي تروي واقعة الطف، وتنظيم حلقات حوارية لتعريف الزائرين، لا سيما الأجانب، بقيم عاشوراء ومعاني التضحية والصبر التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه”.
خدمات متنوعة
من جهته، يقول المواطن سعد النعيمي: إن ” لزيارة الأربعين جوانب متعددة لا تقتصر على الأكل والشرب فقط”، مضيفاً، أن “هناك مواكب حسينية تختص بحملات التبرع بالدم، وأخرى لجمع التبرعات للمعوزين والمحتاجين ومساعدة فئات معنية”.
ويبين النعيمي لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أنه “في كل عام في زيارة الأربعين يتم تنظيم حملات للتبرع بالدم وحسب الحاجة في المراكز المختصة وبالتنسيق مع وزارة الصحة والمستشفيات المعنية”.
المواكب الصحية
ويقول المعاون الطبي أحمد صلاح في حديثه لـ (واع): إن “زيارة الأربعين هي الباب الواسع للتقرب إلى الله من خلال تقديم أنواع الخدمات لزوار الإمام الحسين تقرباً إلى الله، مشيراً أن موكبه مختص بفحص الزوار صحياً وتقديم العلاج والرعاية الصحية مجاناً”.
ويضيف في حديثه، “في زيارة الأربعين ترى كل شيء مجاناً ويقدم بكل ود ومحبة بين أصحاب المواكب والزوار من جهة وبين أصحاب المواكب أنفسهم حيث كل موكب يخدم الآخر حسب ما يقدمه إذا كان من المأكل او العلاج أو أي خدمة أخرى”.
خدمات مجانية
ويقول الزائر على الخفاجي بدوره: إن “لزيارة الأربعين خصوصية كبيرة في قلوب المؤمنين جميعاً، من زائرين وأصحاب مواكب وجهات حكومية، مشيداً بما تقدمه القوات الأمنية من جميع صنوفها وما متوفر من خدمات نقل للزائرين بالوسائل كافة”.
ويشير الخفاجي في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن “ما يميز زيارة الأربعين لهذه السنة، ما متوفر من وسائل نقل عامة وخاصة مجانية أو بأسعار رمزية”، موضحاً أن كثرة ساحات الوقوف وتنظيم دخول العجلات سهل على الزائرين التنقل وسرعة تأدية الزيارة بما يفسح المجال للزائرين مشياً على الأقدام (المشاية)”.
الطبخ والكرم الحسيني
ويلفت الطباخ محمد ستار، الذي يواصل خدمة زوار الأربعينية عبر إعداد الطعام في المواكب الحسينية منذ أكثر من عشر سنوات، في حديثه إلى وكالة الأنباء العراقية (واع)، أن “الطبخ في هذه المواكب يمثل إحدى الركائز الأساسية في إحياء عاشوراء وزيارة الأربعين، لما يجسده من كرم ضيافة وروابط تكافل اجتماعي بين المعزين والزوار”.
وأوضح، أن “الموائد التي تُنصب في الطرق المؤدية إلى كربلاء تُعد جزءاً أصيلاً من الشعائر، حيث يحرص القائمون عليها على تقديم أطباق شهية بكميات كبيرة تكفي لإطعام الملايين من الزائرين”.
وبيّن ستار، أن “إعداد الطعام في المواكب يعكس روح التضحية والعطاء اللا محدود، إذ يُقدم مجاناً للجميع دون تمييز، ويُنظر إليه على أنه “مبارك” بنية الإمام الحسين عليه السلام، ما يدفع كثيرين للتبرك به طلباً للشفاء والبركة”.
وأضاف، أن “هذه الكميات الكبيرة من الطعام تُحضّر بجهود تطوعية كبيرة، يشارك فيها الرجال والنساء وحتى الأطفال، ويعملون لساعات طويلة بدافع الإيمان والرغبة في خدمة الزائرين”.





