بغداد – واع- آية منصور
يواصل معرض بغداد الدولي للكتاب، في دورته السادسة والعشرين، جذب الزوار من مختلف الفئات، بفضل تنوع فعالياته الثقافية التي أبقت قاعات المعرض مزدحمة من لحظة الافتتاح وحتى ساعات المساء. ويشهد البرنامج الثقافي تطورًا ملحوظًا يومًا بعد يوم، من خلال حوارات نقدية وورش تطبيقية وتوقيعات كتب، إلى جانب ندوات تستضيف أسماء عربية وعراقية مرموقة، ما يسهم في الجمع بين قراءة النص وتقنيات الكتابة وسياقاتها الاجتماعية.
هذا التنوع في الفعاليات نجح في جذب العائلات والطلبة والمهتمين، محوّلًا المعرض إلى مساحة نقاش عام، حيث تتقاطع الخبرات الأكاديمية مع التجارب الإبداعية، مع تركيز خاص على أسئلة الحاضرين في الأدب والفكر والفنون.
في هذا السياق، شهد المعرض جلسة حوارية بعنوان «هدى بركات… أسئلة السرد والواقع»، استضافت الروائية اللبنانية، هدى بركات، وأدارتها الإعلامية جمانة ممتاز. ناقشت الجلسة تقاطعات السرد مع موضوعات الهجرة والحروب وتحولات الإنسان، وانطلقت من فكرة أن الرواية تُحاكم الواقع بأدواتها الفنية مثل صوت السارد وبناء التوتر داخل التجربة الإنسانية. توقفت بركات عند استعارة “المشي على الماء” كدلالة على التحديات الوجودية للناجين، مؤكدة أن حدّة المشاهد الروائية تنبع من ضغط الحقيقة على اللغة. وتناول الحوار آليات إدماج الشهادة في النص الروائي، وضبط الإيقاع، ونحت الشخصيات، وإدارة الزمن. واختتمت الجلسة بتأكيد على أن الرواية، حين تُحكم أدواتها، تفتح نقاشًا عامًا حول النجاة والمسؤولية الأخلاقية. كما تمت الإشارة إلى أبرز أعمال بركات، ومنها «بريد الليل» الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2019، و«حجر الضحك»، و«حارث المياه».
وفي ندوة أخرى بعنوان «المسرح القطري… خمسون عامًا وأكثر، وتجربة المسرح العراقي»، اجتمع الناقد الفني القطري د. حسن رشيد والفنان العراقي إحسان دعدوش لتسليط الضوء على المسارين المسرحيين في قطر والعراق.
تناولت الندوة تطور المسرح القطري وتجريبه المتنوع، بينما ركزت على تميّز المسرح العراقي بمدارسه الفنية واشتباكه الفكري مع الواقع. وأبرزت الجلسة التعاون بين المسرح العراقي والفنون الأخرى، مما أسهم في صياغة لغة ركحية خاصة. وطرحت المقارنة بين التجربتين الحاجة إلى توثيق ممنهج، وتطوير منظومات إنتاج مرنة، وتوسيع الشراكات الإقليمية. كما شهدت الندوة تفاعلًا مباشرًا من الجمهور حول فرص التعاون الفني بين البلدين، واختُتمت بالتأكيد على أن المسرح يظل جسرًا للتواصل العربي حين تتوافر بيئة إنتاج مشتركة تتجاوز التحديات التنظيمية والتمويلية.
أما في ندوة «لسانيات الشبكة العنكبوتية: دراسة اللغة في الفضاء الرقمي»، فقد ناقش د. محمد عبد مشكور ود. حيدر غضبان، بإدارة د. عبد الحسن عباس حسن، تحوّلات اللغة العربية في الفضاء الرقمي و أبرز الظواهر اللغوية مثل الاقتصاد في الكتابة، والدمج بين اللغات، وتوظيف الرموز والإيموجي، إلى جانب حضور اللهجات إلى جانب الفصحى.
وتفاعل الحضور مع موضوع مستقبل الفصحى في البيئة الرقمية، وإمكان توظيف العاميات في الكتابة الإعلامية والأكاديمية. وخلصت الندوة إلى توصيات بتنسيق بين جمعية اللسانيين العراقيين والجامعات، لبناء أدوات تحليل وأرشفة تدعم هذا الحقل المعرفي الناشئ.
من جهة أخرى، شهد المعرض حضورًا ثقافيًا يابانيًا مميزًا عبر ركن خاص قدّمته السفارة اليابانية، حيث بدأ البرنامج بكتابة أسماء الزوار بالخط الياباني كتذكار شخصي، وتضمن أيضًا عرضًا مبسطًا لحفل الشاي الياباني، قدم لمحة عن تقاليد الضيافة.
واستمر البرنامج بعرض لفنون الدفاع عن النفس اليابانية، شارك فيه الجمهور بشكل تفاعلي. كما أُتيح للزوار تجربة الملابس والألعاب التقليدية اليابانية، ما حول الركن الياباني إلى تجربة ثقافية حيّة أضفت على المعرض بعدًا عالميًا وتنوّعًا ثقافيًا إضافيًا.
هكذا، يثبت معرض بغداد الدولي للكتاب أنه ليس مجرد تظاهرة لعرض الكتب، بل فضاء تفاعلي مفتوح يعكس غنى الثقافة العربية وتقاطعاتها مع العالم.






